الأبعاد الجيوسياسية لإستضافة روسيا كأس العالم 2018 بكرة القدم… د. زكريا حمودان

بعد إستضافتها لأولمبياد 2014 وكأس القارات العام الفائت، تنهي المدن الروسية إستعداداتها لإستضافة مونديال 2018 الذي من المرجح أن يكون الأبرز في تاريخ البطولة الأكثر شعبية وحضورا على مستوى العالم من دون أي منازع.

لا يُمكن أن يمر حدث الإستضافة مرور الكرام، فلقد بات من المعروف عالميًا بأنَّ الأحداث الكبرى تجري بناءً لقواعد عديدة من الثقة بين اللجان الفاحصة والدُوَّل المستضيفة. من هنا كان للدولة الروسية الدَور الأكبر في زرع الثقة في اللجنة الدولية الفاحصة والتي زارت المنشآت الروسية طوال الفترة السابقة لتسليم روسيا الموافقة الرسمية على الإستضافة في العام 2010.

عشر سنوات فقط كانت كفيلة بتسلم روسيا بطاقة إستضافة منافسات كأس العالم. عشر سنوات كانت كفيلة للرئيس بوتين بأن يجعل من الدولة التي إستلمها في العام 2000 وفيها قرابة 40% من السكان يعيشون دون 4 دولارات في اليوم، أن تنال شرف الموافقة على إستضافة الكأس العالمية للعام 2018 بعدما رفعت مستوى المعيشة في روسيا لتصبح أول دولة من دول الإتحاد السوفياتي تنال أعلى مستويات التقدم بعدما قضت على الفساد الذي إستشرى في عهد يلتسين. عشر سنوات سمحت لأكبر دولة جغرافيًا في العالم أن تتجرأ على وضع نفسها أمام تحدٍ كبير يجعل منها قادرةً على ربط 13 مدينة ستستضيف منافسات كأس العالم. كما قامت روسيا بإستثمارات ناهزت الـ 20 مليار دولار في البنى التحتية لإستضافة كأس العالم، الأمر الذي يعني أنَّ الإقتصاد الروسي بخير وفي تطور مستمر، يتكلل اليوم بالنجاح في إستضافة أهم بطولة عالمية.

أما سياسيًا، فيعود النجاح الذي تحققه روسيا في كل مناسبة إلى الجرأة الكبرى التي تمتعت بها القيادة الروسية في مجابهة الأزمات المتكررة من قبل الولايات المتحدة لكي لا تسمح لروسيا الجديدة أن تعود إلى الساحة العالمية كما وعد الرئيس بوتين عند تسلمه الرئاسة في العام 2000 وإشارته إلى الغرب بأن روسيا تتمتع بالعديد من المزايا الإيجابية التي تتمنى أن تتشاركها مع اللاعبين الدوليين في عالمٍ متعدد الأقطاب. لم يقرأ الغرب هذه الرسالة بأنها شاملة وليست سياسية فقط، فبقي على الحرب السياسية على روسيا من خلال مواجهتها عسكريًا عبر الدُوَل المحيطة بها وتغيير الأنظمة فيها، ولم ينظر الغرب فعليًا أنَّ الخطة التي وضعها الرئيس بوتين ستحول روسيا اليوم إلى قوة عالمية على المستويات كافة، إستطاعت في السنوات الثماني الأخيرة إثبات نفسها في بنيتها التحتية الشاملة وفي تركيبتها الإجتماعية التي تقدمت كثيرًا.

القوة الجيوسياسية التي بدأت تتحلى بها روسيا اليوم تضعها على السكة الصحيحة على المستوى الرياضي العالمي، لكنها في الوقت عينه تضع روسيا أمام مواجهات جديدة مع الغرب، فالإستضافة التي نالت شرفها روسيا كانت تتنافس فيها مع دولٍ تتمتع بإستقرار جيوسياسي منذ الحرب العالمية الثانية حتى تاريخ فوز روسيا بالإستضافة، في وقتٍ كانت تعيش روسيا الحرب الباردة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مرورًا بعصر يلتسين وصولًا إلى عصر الرئيس بوتين مُخلص الروس من هذه العزلة العالمية وسياسته العامة منذ العام 2000 حتى يومنا هذا. نافست روسيا في ملف الإستضافة ملفات كلٍ من “إنكلترا، البرتغال، إسبانيا، هولندا، وبلجيكا”، وقد فازت بالإستضافة، الأمر الذي يعني بأنها تقدمت بشكل كبير على دول أوروبية عريقة في عالم البطولات العالمية خاصة في كرة القدم، الأمر الذي يعني بأنَّ الثقة التي أصبحت معطاة للدولة الروسية على مستوى الدولي هي كبيرة بالرغم من جميع الظروف المحيطة بها.

إستكمالًا للضغوطات العالمية على سياسة روسيا، لا بد من التنويه أنَّ الولايات المتحدة الأميركية ونظرائها الأوروبيين لم يوفروا أي جهد منذ العام 2010 حتى اليوم لسلب روسيا هذا الحق في الإستضافة، فضغطت الولايات المتحدة على الإتحاد الدولي جاهدة لسحب الإستضافة وذلك لأسباب جيوسياسية بحتة أهمها دخول روسيا ساحة الصراع في سوريا وضبطها لمنافذ الطاقة من الشرق الأوسط تجاه أوروبا، بالإضافة إلى فشل مشروع نابوكو وتزايد قوة دول البريكس في التوسع إقتصاديًا وعلى رأسهم روسيا، بالإضافة إلى محاربة بريطانيا دبلوماسيًا للروس وتوجيهها إنذارات فاشلة بسحب الغطاء عن إستضافة المسابقة العالمية أو الضغط على بعض الدُوَل للإنسحاب من المسابقة، الأمر الذي لم تقرأه الدُوَل المشاركة في المسابقة وخاصة الأوروبية منها كما أرادت الولايات المتحدة وبريطانيا.

اليوم تستضيف روسيا هذا العرس القاري لتفتح للعالم أبوابها وتدخل من خلال المسابقات العالمية بوابة الدول السياحية، فتعرض أمامهم الكثير من التسهيلات ليزوروا روسيا ويتعرفوا على معالمها، بحيث من المؤكد أن الحدث القاري سيكون له تأثير كبير على السياحة في روسيا في هذا العام وفي الأعوام القادمة.

Post Author: SafirAlChamal