لم تكن حادثة الاعتداء الصادمة التي تعرضت لها مقبرة الغرباء في طرابلس هي الاولى من نوعها، فالمقبرة تتعرض منذ عقود لاعتداءات اكبر واخطر من تحطيم بعض القبور ونبش الرفاة من داخلها، على الرغم من خطورة هذه الحادثة وتداعياتها نفسيا على الاهالي الذين ساءهم مشاهدة قبور اقاربهم وقد تم العبث بها بهذه الطريقة التي لا تراعي دين او قيم او عادات.
مقبرة الغرباء عادت بالامس الى الواجهة، بعد حادثة غريبة تعرضت لها وتمثلت بقيام مجهولين بنبش بعض قبورها واخراج الرفاة منها، بغية تحقيق مكاسب مالية من خلال عرض القبور للبيع من غير وجه حق او استئذان اصحابها وجلهم من ابناء المدينة او من ضواحيها، مع وجود بعض الغرباء ممن لا اهل لهم او من خارج البلاد، والذين سميت المقبرة على إسمهم “الغرباء”.
هذه الحادثة وأيا تكن القبور التي تم الاعتداء عليها ان كانت لمسلمين سنة او علويين او حتى من غير الطائفة الاسلامية، او غير لبنانيين، هي تعتبر اعتداء على حرمة الاموات وانتهاك فاضح لكل القيم، يستدعي تحركا سريعا من قبل الجهات المعنية في دار الافتاء والاجهزة الامنية لملاحقة الفاعلين ومحاسبتهم، خصوصا ان بعضهم عرض هذه القبور للبيع، ما يعني ان الفاعل معروف او يمكن التعرف عليه والوصول اليه في حال كانت هناك نية صادقة لوضع حد لهذه الممارسات الخارجة عن كل الادبيات والمخالفة للدين.
الا ان هذه الحادثة ورغم بشاعتها، اعادت تسليط الضوء على هذه المقبرة الواقعة عند اطراف منطقة الزاهرية لجهة باب التبانة، وقد انشأت منذ عقود لتكون مقبرة للغرباء عن المدينة وأصبحت مؤخرا تستخدم من قبل مواطنين كثر، ومن طوائف اخرى غير إسلامية يوجد لهم عشرات القبور.
هذه المقبرة لم يقتصر دورها على دفن الاموات فقط، فقد تحولت وبفعل الحرب الاهلية والفوضى الى ملاذ لبعض الطرابلسيين وابناء الارياف من عكار والضنية ومن النازحين السوريين في الفترة الاخيرة، حيث شيدت فيها الغرف السكنية واصبحت مأوى لمئات العائلات الذين إعتدوا على هذه الارض وسيطروا عليها وحولوها الى مساكن لهم، تحت شعار “الفقر” وهو امر تدحضه كل المعطيات حيث قلة من سكان تلك المقبرة هم من الفقراء، في حين ان ابناء الارياف يملك بعضهم أراض في قريته وهو يلجأ الى هذا المكان الذي يوفر فيه ايجار منزل في المدينة وربما دفع فواتير الكهرباء.
قضية المقبرة وضرورة اخلاء الارض “المحتلة” كانت مطلبا من قبل الاهالي الذين يرفضون وجود سكن بالقرب من المقابر وما يترتب على ذلك من تداعيات على سبيل المياه الاسنة التي تتدفق من المنازل بسبب عدم وجود بنى تحتية، فضلا عن امور اخرى قد تسيء الى حرمة الاموات، الا ان كل مطالباتهم لم تجد اذانا صاغية وتحديدا من قبل دار الافتاء المسؤول مباشرة عن ايجاد حل لهذه المشلكة، لجهة اتخاذ قرار باخلاء المساكن واعادة هذه الاراضي الى حرم المقبرة ليصار الى إستخدامها لدفن الاموات بدلا من ان تتحول الى منفعة لبعض المستمثرين الذين يبنون ويعملون عل تأجير تلك الغرف، ما يطرح تساؤلات حول الاسباب التي تدفع الافتاء ومعه القوى الامنية الى السكوت عن تلك المخالفات.


