البترون: فخار آسيا تراث أليف يمتد الى الجذور… لميا شديد

f5ar

يرتبط إسم بلدة آسيا البترونية بصناعة الفخار منذ زمن بعيد، وهي اشتهرت بصناعة الفخار اليدوي، وبقيت تلك الحرفة رائجة بكثافة حتى أواسط القرن العشرين حين بدأت بالتراجع لتستقر على حفنة من الأواني المنتجة من قبل عدد قليل من المهرة التراثيين.

كان فن الفخار من أبرز المصنوعات الحرفية المعوّل عليها عند القرويين لمقايضتها بالسلع التموينية غير المتوافرة لديهم. ولعل ما ساعد على ازدهار فخار آسيا هو أن المواد الاساسية المكونة له متواجدة في نطاق البلدة. أما اسباب شهرته فتعود الى تعدد أنواعه وجودة نوعيته.

نشأت صناعة الفخار منذ غابر الازمان، ونمت في الالفية السادسة قبل الميلاد، واقتصرت في بداية عهدها على حفر ترابية تدلك بالحجارة الملساء وتجفف بأشعة الشمس وتستعمل لتخزين المؤن وخلافها. وتطور الفخار مع العهود فأخذ اشكال أوان مختلفة الالوان والاحجام، مجففة بحرارة الشمس ومن ثم محروقة او مشوية بالنار التي تكسبها مزيدا من المناعة والصلابة.

بقيت صناعة الفخار يدوية حتى الالفية الثالثة قبل الميلاد حيث بدأ استعمال ما يعرف بدولاب الفاخوري الذي شكل استنباطه محطة هامة في مسيرة تلك الصناعة فتحولت بفعل ذلك من حرفة يدوية صرفة الى حرفة نصف يدوية. ومع هذا فقد تمكنت الاولى من المحافظة على خصائصها وعبرت العصور والقرون كي تصل الى لبنان من خلال شعوب متعددة الاعراق والثقافات سادت الشواطئ اللبنانية منذ الكنعانيين والآراميين والفينيقيين وغيرهم. وقد ترك كل هؤلاء بصمات حضاراتهم على قطع فخارية وجدت في كهوفهم وقبورهم وبين اطلالهم. وقد اضاءت معظم تلك القطع او بعضها على فصول من التاريخ القديم لم تكن لتقرأ دونها.

أما فخار بلدة آسيا البترونية، فقد عبر تلك الحقبات التاريخية ليحمل صورة عن تراث أليف يشد الى الجذور. ولعل ما ساعد فخار آسيا على تجاوز المتغيرات الناتجة عن الثورات الصناعية المتتالية في العصور الحديثة او المعاصرة هو اصرار ابن هذه الجرود على البقاء في ارضه وتمسكه بعادات وتقاليد اجداده، اضافة الى توافر المواد الاولية للفخار في ارضها. وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية في اواسط القرن العشرين فقد كان سكان آسيا، في معظمهم، يعتمدون على الفخار في معيشتهم، وكانوا يجوبون المناطق اللبنانية كافة ليقايضوا به المواد الاستهلاكية والتموينية التي يفتقرون اليها مثل الحبوب والخضار والفاكهة المجففة والمصنوعات الخفيفة والملبوسات. اما اليوم وقد فعلت متطلبات الحياة الحديثة فعلها واستهوت الهجرة الداخلية منها والخارجية الشباب الناهض الطموح، فقد بات عدد صانعي الفخار مقتصرا على قلة من الاوفياء الناشطين الذين لا يتجاوز عددهم عدد اصابع اليد الواحدة، يعاونهم البعض من ابنائهم في تأمين المواد الاولية وشوي الفخار في افران تقليدية تراثية.

في السابق لم يكن يخلو منزل في آسيا البترونية من صانع فخار وكانت أفران شوي الفخار موزعة في كافة أحياء البلدة لانجاز الصناعة في مرحلتها الاخيرة مداورة بين الحرفيين الذين تقلص عددهم اليوم ولم يعد في آسيا الا ثلاثة منازل تعمل في هذا المجال رغم أن هذه الحرفة قد تشكل مصدر رزق مهم كما يؤكد ممتهنوها. ومعظم الذين يعملون في صناعة الفخار ورثوها عن أهلهم ويصفوها بالـ “الحلوة والمرة، وتختلف كليا عن فخار راشيا وبيت شباب” .

وتقول سنا جبور التي ورثت هذه الصناعة عن والدتها : “كل حرفة هي مميزة ، وكل فخار له ميزته وأهم ميزة لفخارنا هو أن تراب الفخار موجود في آسيا وفي موقع واحد بالاضافة الى حجر القاق الذي نستعمله مع تراب الفخار وهذه النوعية هي الاقدم وكانت تستعمل للطبخ على الحطب. الفخار اليدوي يتميز بالطينة الفريدة من نوعها . فخارنا غير مطلي ومصنوع بدون أي آلة، وفخار آسيا موجود فقط في آسيا. اواني عدة مصنوعة من الفخار وتستعمل في الطهي وهي صحية وتتحمل درجات مرتفعة من الحرارة على النار. وقديما كانوا يحضرون الطعام فيها على الحطب وفي الاساس هي تشوى في أفران الحطب لتصبح صالحة للاستعمال. واشهر الطهاة يقصدون آسيا لشراء اواني الطبخ والطهي.”

يعتبر فخار آسيا مميزا وفريدا من نوعه “لأن نوعية التراب الموجودة في أرض البلدة وحجر ملح القاق غير متوفر في المناطق الاخرى بل وجودها يقتصر فقط على آسيا البترونية” كما يؤكد رئيس بلدية آسيا جورج الحلو الذي اشار الى أن “هناك عددا كبيرا من السياح يقصد البلدة لشراء الأواني الفخارية لجودة نوعيتها بالاضافة الى التمتع بسياحتها الريفية والدينية. وتتميز آسيا بتربة الفخار وبالصناعة اليدوية للفخار التي عرفت بها منذ ايام ألأجداد. وهذه الصناعة لا تحتوي على أي مواد غير طبيعية.”

ويعرب الحلو عن “أسفه لأن هذه الصناعة كانت مهددة بالاندثار لولا وجود 3 منازل فقط تهتم بهذه الصناعة حتى اليوم وهي تعتبر من تراثنا وعلينا المحافظة عليها لأنها صناعة مميزة. ودورنا أن نعمل على تعزيزها وتشجيع الاجيال الجديدة على تعلمها واتقانها.”

Post Author: SafirAlChamal