مقعد طرابلس الماروني باقٍ.. ليبقى التنوع والانفتاح..غسان ريفي

لا يجد أحد في طرابلس أي تبرير لنقل المقعد الماروني منها الى البترون أو الى أي منطقة أخرى، فلهذا المقعد دلالاته الوطنية في المدينة التي تعتبره رمزا للتعايش الاسلامي ـ المسيحي فيها، وصلة الوصل بينها وبين الأقضية الشمالية ذات الأغلبية المارونية، لذلك تجهد طرابلس  للابقاء عليه، لتحافظ على تنوعها وإنفتاحها، خصوصا بعد التوترات الأمنية التي شهدتها سابقا ومحاولات تشويه صورتها ودفعها نحو التقوقع والانغلاق.

ليس صحيحا أن المقعد الماروني في طرابلس لا يقدم ولا يؤخر بحسب ما يشيع بعض أصحاب النوايا الذين يريدون تحقيق مكاسب سياسية من نقله الى البترون، فطرابلس التي تضم بين جنباتها شارع مار مارون، وشارع الراهبات، وحارة السيدة، وشارع المطران، وشارع الكنائس، ومدارس المطران المارونية، إضافة الى مقبرة مار يوحنا في أبي سمراء، فضلا عن عدد كبير من الكنائس المارونية والأرثوذكسية والكاثوليكية والسريانية والإنجيلية، ترتبط إرتباطا وثيقا بالمسيحيين عموما وبالموارنة خصوصا الذين كان لهم تأثير كبير في تاريخها وفي تطورها، حيث أن عشرات الأبنية ما تزال حتى الآن تحمل أسماء أصحابها الموارنة الذين قاموا ببنائها وساهموا في النهضة العمرانية في طرابلس.

وليس صحيحا أن المقعد الماروني في طرابلس غير فاعل ولا يمثل أحدا، فمنذ إستحداث هذا المقعد في العام 1991 وحتى العام 2005 كان يشغله النائب والوزير السابق جان عبيد الذي يمتلك حيثية شعبية طرابلسية وحضورا متميزا في كل منتدياتها، وهو ساهم بشكل كبير في تفعيل الحضور الماروني في المدينة وفي إعطاء هذا المقعد أهمية، وبعدا على المستويين السياسي والوطني.

لكن تحويل هذا المقعد في إنتخابات عاميّ 2005 و2009 من قبل القيمين على تشكيل اللوائح الانتخابية وفي مقدمتهم تيار المستقبل الى جائزة ترضية، أفقده قيمته وتأثيره، حيث جرى تقديمه هدية في العام 2005 الى النائب السابق إلياس عطالله الذي ضاقت عليه مقاعد الموارنة في الشوف، ففتح له الرئيس سعد الحريري مقعد طرابلس الماروني إرضاء لليسار الديمقراطي أحد مكونات قوى 14 آذار، وفي العام 2009 جرى تقديم المقعد الماروني هدية الى حزب الكتائب الذي لم يجد له مكانا في التحالف القائم في البترون بين القوات اللبنانية والنائب بطرس حرب، فكان مقعد طرابلس الماروني هو المخرج الوحيد لارضاء الكتائب حلفاء الحريري أيضا في قوى 14 آذار.

ولا يختلف إثنان على أن عدم وجود أي شخصية مارونية من نسيج طرابلس في المقعد النيابي المخصص للموارنة طيلة دورتين إنتخابيتين وأربع سنوات من التمديد قد أضعف هذا المقعد، وبدأ يغري بعض التيارات التي تخشى على تمثيلها في دوائر معينة، أو تسعى لزيادة عدد نوابها في دوائر أخرى، من دون أن تعي خطورة طرحها، لجهة حرمان أبناء أي طائفة أو مذهب موجودين في مناطق خارج دائرة ثقلهم السكاني، وبالتالي فتح الباب أمام نزوح طوعي أو قسري أمام أقليات الطوائف والمذاهب في الأطراف نحو مناطق ″تجمعاتهم″ الكبرى، ما سيؤدي إلى فرز سكاني على أساس طائفي ومذهبي يكون مقدمة نحو التقسيم.

في العام 1919 عندما ذهب البطريرك إلياس الحويك الى مؤتمر الصلح المنعقد في قصر فرساي في باريس مكلفا من كل اللبنانيين للمطالبة باستقلال لبنان بحدوده التاريخية، حاول الأوروبيون إغراءه بأن بقاء المسيحيين ضمن جبل لبنان يمنحهم القوة والحضور، وأن أي توسع نحو الحدود التاريخية لن يكون ديموغرافيا لمصلحة المسيحيين لأن الأكثرية المطلقة ستكون للمسلمين، ورغم ذلك أصرّ البطريرك الحويك على إستعادة  أقضية بعلبك ومعلقة زحلة وراشيا وحاصبيا، وصيدا وبيروت وطرابلس وعكار والضنية والمنية، وذلك قبل أن تعلن طرابلس مدينة ممتازة الى جانب بيروت.

واللافت أنه قبل 97 عاما، كان البطريرك الماروني يناضل من أجل توسيع رقعة جبل لبنان على كل مساحة لبنان الكبير، حرصا منه على التنوع وعلى العيش الاسلامي ـ المسيحي وعلى وحدة اللبنانيين الذين توحدوا جميعهم على تكليفه للتحدث باسمهم في مؤتمر الصلح، في حين يسعى بعض الموارنة اليوم الى تقليص مساحة الانتشار المسيحي والماروني والتقوقع ضمن مناطق محددة من خلال السعي الى نقل بعض المقاعد النيابية، الأمر الذي ينذر بفرز سكاني يمهد لقيام فيدراليات جاهد اللبنانيون ودفعوا دماءهم من أجل إسقاطها.

من هنا جاء الرفض المطلق للرئيس نجيب ميقاتي لنقل المقعد الماروني من طرابلس، معتبرا أن ″هذا الطرح يشرعن الانقسام بين اللبنانيين، وقال نحن نرفض طرح نقل المقاعد وأي طرح تقسيمي من أي جهة أتى كما أننا نتمسك ببقاء المقعد الماروني في طرابلس، لأن المدينة بكل اطيافها، حريصة على وحدتها والعيش الواحد بين جميع أبنائها″.

وخلص ميقاتي الى القول: ″طرابلس كانت وستبقى مدينة العيش الواحد بين المسلمين والمسيحيين، ما رفضته أيام الحرب الأليمة لن تقبل به اليوم، وما يطرح مرفوض من كل أهل طرابلس، فليتوقف المزايدون عن تقديم طروحات لن تحمل الا المزيد من الويلات على جميع اللبنانيين″.

1

 

Post Author: SafirAlChamal