هل ستُبقي أميركا والغرب السلاح النووي في يد اسرائيل؟..بقلم: إيمان درنيقة الكمالي

لم تعترف يوما أنّها تملك قدراتٍ نوويّة، ولمْ تنكر امتلاكها لها ايضاً. لم تجزم وجود مفاعلات نووية عندها، وفي الوقت نفسه لم تنفِ ذلك.

إنّها سياسة الخداع والتعتيم و الغموض الّتي اتبعتها وتتّبعها اسرائيل منذ ستينيّات القرن الماضي، بعد أن لعبت الدول الكبرى دورا كبيرا في مساندتها، من خلال تجاهل طموحات تل أبيب النووية، وعدم فرض أي ضغوط دوليّة جادة للكشف على حقيقة برنامجها النووي، كما وعدم بذل أيّ جهدٍ يذكر لإرسال لجنة دولية للتفتيش الدّولي، على غرار ما فعلته مع إيران ومع دول  أخرى.

 ولأنّ “حبل الكذب” الصّهيوني قصير للغاية، فقد انكسر هذا الجدار الفولاذي من السّرية مع تهديد الوزير  اليميني المتطرّف “عميحاي إلياهو”،  الّذي ومن دون أيّ رادع إنساني أو أخلاقي، هدّد على الملأ وعلى مرأى ومسمع العالم كلّه، بشنّ ضربة نووية على غزة، فكشف بذلك المستور، مؤكًّدا بطريقة غير مباشرة ليس فقط امتلاك كيانه للأسلحة النووية، بل وايضا استعداده لاستخدامها.

هذا الإعلان، يعيد إلى الأذهان ما قاله عام 1986، الخبير بمفاعل ديمونا (مردخاي فانونو) لصحيفة “صنداي تايمز” اللندنية  عن وثائق وصور ومعلومات موثقة بنحو 60 صورة للمفاعل عن مخزون إسرائيل النووي الذي لم يكن العالم يعرف عنه شيئا.

يبدو أنّ تصريح الوزير الاسرائيلي مرّ “مرور الكرام”، من دون أيّ ردة فعل دولية أو عربيّة، خصوصا من قبل “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”.

ماذا يمكن لدول المنطقة أن تفعل ازاء معرفتها بأنّ اسرائيل تمتلك السلاح النووي؟

 إنّ امتلاك “اسرائيل” السلاح النووي ليس جديدا؛ بل يعود لاول رئيس وزراء صهيوني، ديفيد بن غوريون، الذي كان قلقاً حيال هذا الكيان المصطنع، وكان يزعم أن “العداء” العربي لإسرائيل “عميق”، وأنّه لن يتوقف بمجرد قيام ما يسمّى “دولة إسرائيل” بعد طرد الفلسطينيين وارتكاب المجازر بحقهم. لذا فقد حاول بن غوريون اقناع الولايات المتّحدة  آنذاك، بأن “إسرائيل المحاطة “بالأعداء” بحاجة إلى “قوة ردع”، وأنّه “من الضروري أن تكون في حالة تأهب دائمة في حال تعرض أمنها القومي للخطر”.

ومع هذا، فإنّ التنفيذ الفعلي لم يتمّ إلّا عندما أبرم رئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز اتفاقاً مع رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك موريس بورجيه، بشأن انشاء مفاعل نووي من الماء الثقيل في ديمونا. وكان ذلك بمثابة هدية او مكافأة لـ “اسرائيل” وعقابا لمصر عبد الناصر، التي ساعدت الجزائر في حربها ضدّ الاحتلال الفرنسي له.

وفي عام 1953،  أعلن الرئيس الامريكي ايزانهاور ’’الذرة في خدمة السلام”،  فادّعت اسرائيل أنّها “لا تعمل على تحويل  قدراتها النووية الى قدرات عسكريّة”؛ وعلى الرّغم من زيارة المفّتشين الأميركيين لمفاعل ديمونا مرات عدة في ستينيات القرن الماضي، فإنّهم، وفق زعمهم، “لم يتمكنوا من تحديد أنشطته بدقة”.

ولا عجب في ذلك، فقد أوضح المؤرخ “كوهين” في كتابه “أسوأ سر” أنّ “الولايات المتّحدة واسرائيل قد  اتفقتا على شرط الغموض” ، ما يعني الموافقة الضمنية للولايات المتّحدة على امتلاك إسرائيل سلاحا نوويا، مقابل عدم اعلان اسرائيل عن امتلاكه.

وعلى هذا المنوال، بقيَت اسرائيل لا “تعترف”، وأمريكا لا “ترى”، و الوكالة الدولية للطاقة الذّرية لا “تعلَم”.

وفي مقابل ذلك، لم تسمح الدول الكبرى لأيّ بلد عربي الوصول إلى السّلاح النووي بأيّ ثمن، فكان التوازن مبنياً على الأسلحة التقليدية. فعلى أيّ أساس تُعطي أمريكا لإسرائيل الحق بأن تمتلك السلاح النووي، وتُحرِّمُه على الآخرين؟  وكيف يمكن لدول المنطقة القبول بأن تكون اسرائيل القوّة المطلقة نوويا؟

وهنا نشير إلى أنّه عندما حصلت اتفاقية منع انتشار السلاح النووي

‏The Treaty on the Prohibition of Nuclear Weapons (TPNW)

عام  1970،  كانت لمدة 25 سنة، على أساس أن تنتهي عام 1995؛ إلّا أن أطراف المعاهدة قرروا بالاتفاق تمديد العمل بالمعاهدة إلى “ما لا نهاية” ضمن مؤتمر المراجعة في نيويورك بتاريخ 11 أيار / مايو 1995، بشرط  أو قرار ملزِم يجزم ضرورة إخلاء منطقة الشّرق الأوسط من الأسلحة النّووية؛ ما يعني أنّ هذا القرار هو مشروط بتخلّي اسرائيل عن الاسلحة النووية التي تمتلكها،  وتوقيعها اتفاقية معاهدة منع انتشار الأسلحة النّووية، كدولة غير نووية.

وقد وقّعت جميع الدول على هذه المعاهدة؛ لكنّ اسرائيل لم توقع ابدا. وعلى الرّغم من انتفاء الشرط الذي من أجله تمّت المعاهدة، فإنّ الدول لم تنسحب منها.

وقد تمَّ من بعد ذلك اقتراح مراجعة المعاهدة كل خمس سنوات ضمن اجتماعات باسم مؤتمرات المراجعة لأعضاء المعاهدة، بهدف مناقشتها وادخال اسرائيل فيها، إلّا أنّ جميع هذه المراجعات فشلت، ولم يتم التوصّل إلى إجبار اسرائيل على التوقيع على المعاهدة.

وما هو معلوم، فإنّ نصّ البند العاشر من المعاهدة يقول أنّه “من حقّ أيّ دولة موقّعة على الاتفاقيّة الانسحاب منها عندما تشعر أنّ أمنها القومي مهدد.”

واليوم،  عندما يهدد وزير في الحكومة الاسرائيلية باستخدام الاسلحة النووية، أفلا يصبح الأمن القومي لدول المنطقة جميعها، مهددا؟

وما الذي يردع الكيان الصهيوني  مستقبلا “أن يوسّع كيانه من النيل الى الفرات كما يدّعي، وأن يهدّد باستخدام النووي ضدّ الدول الأخرى، وهو الذي يملك اليوم أكثر من مئتي رأس نووي؟

 ماذا لو انسحبت هذه الدّول من المعاهدة، وبدأت بتنفيذ طموحاتها النووية؟

 هل يكون الحل في أن ينتشر السلاح النووي في كل دول المنطقة، تحت ذريعة “ضرورة توازن الرعب” و”الدفاع عن النفس” ؟

إنّ سياسة الرّدع النّووي لا يمكن أن تنجح في تأمين الكبح المطلوب، بل  ستجبر البشرية على الوقوف على شفير حافة متهوّرة، دون معرفة متى قد  تفلت الأمور، وتفسد الطريق.

وعندها لن توفّر اسرائيل أيّ دولة من شرها،  بل ستوجّه السلاح النووي إلى كلّ الدول من دون استثناء. لذلك يصحّ لنا أن نسأل: هل ستُبقي أمريكا والغرب السّلاح النووي في يد اسرائيل؟..

 الكاتبة: الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي

أستاذة جامعية وكاتبة وباحثة سياسية


Related Posts


Post Author: SafirAlChamal