مغتربو لبنان ″ضحية″ سياسة المزرعة وغياب الدّولة… عبد الكافي الصمد

خبران تصدّرا يوم أمس علاقة لبنان بالإغتراب وارتباطه معه منذ نشأة الكيان اللبناني عام 1920 وحتى الآن، إلى حدّ أنّه إذا ذُكر أحدهما وجب ذكر الآخر فوراً، كأنّما هناك إرتباطاً وثيقاً وعضوياً بينهما، وبأنّ مصير لبنان مرتبط مصيره بالإغتراب بشكل يكاد لا يشبه علاقة أيّ دولة به، لدرجة تجعل المرء يظنّ ـ للوهلة الأولى ـ بأنّ اللبنانيين خلقوا لكي يهاجروا من بلدهم ويتحوّلوا إلى مغتربين في أصقاع الدّنيا.

الخبر الأول تمثل في ما أشار إليه الأمين العام لاتحاد المصارف العربية وسام فتوح إلى أنّ “إجمالي التدفّقات الماليّة لتحويلات المغتربين إلى لبنان​ بلغت 6.3 مليار دولار خلال عام 2020، وهو ما يمثّل 11.5% من مجمل التحويلات إلى المنطقة العربيّة بأكملها”.

وأوضح فتّوح أنّ “لبنان قد احتلّ المرتبة الأولى بين الدول العربية​ من حيث نصيب الفرد من التحويلات، الّتي بلغت 923 دولاراً للفرد”، مضيفاً أنّ التحويلات إلى لبنان شكّلت نسبة 37% من الناتج المحلّي الإجمالي بحسب سعر الصرف​ في السوق الموازي”، لافتًا إلى أنّ “لبنان يحتلّ المرتبة الأولى بين الدول العربية من حيث التنوّع في مصادر تحويلات المغتربين، بسبب الإنتشار الواسع للمغتربين اللبنانيّين حول العالم”.

هذه التحويلات المالية باتت أشبه ما تكون بإنبوب الأوكسجين الذي تتنفس من خلاله مئات آلاف العائلات اللبنانية، ومعها العائلات الفلسطينية والسّورية المقيمة في لبنان، بعدما باتت المصدر الرئيسي الذي يؤمّن لها الحدّ الأدنى من سبل العيش، بسبب أزمة لبنان المالية والإقتصادية، وانهيار سعر صرف الليرة اللبنانية، بعدما أشارت شركات تحويل الأموال، مؤخّراً، إلى أنّ نحو 70 في المئة من هذه التحويلات لا تزيد مبالغها على 500 دولار أميركي، أيّ أنّها من أجل تأمين القوت اليومي لهذه العائلات، وهي ليست تحويلات مالية للإستثمار والنّهوض الإقتصادي في بلد منهار وشبه مفلس.

أمّا الخبر الثاني فيوضح أنّ حبل النّجاة هذا المتمثل في التحويلات المالية يدفع لبنان ثمنه غالياً من شبابه وطاقاته، بعدما أكدت منظمة الصحّة العالمية، أن “التحدّيات التي يواجهها القطاع الصحّي في لبنان هائلة، ويهدّد العديد من المكاسب التي حققتها البلاد على مدى العقود الماضية”، مشيرة إلى أنّ “الأزمة الإقتصادية الحالية أدّت إلى زيادة الفقر في جميع أنحاء البلاد، وأصبحت جميع القطاعات بما في ذلك الصحّة عرضة لخطر الإنهيار”.

وأشارت المنظمة إلى أنّ “ما يقارب من 40 % من الأطباء في لبنان و30 % من الممرضات المسجلات في النقابات غادروا البلاد بالفعل، إمّا بشكل دائم أو مؤقت بسبب الأوضاع الإقتصادية”.

ما سبق يعني بوضوح أنّ لبنان يخسر سنوياً خيرة أبنائه ونخبه وكفاءاته مقابل مبالغ مالية زهيدة يحوّلونها إلى ذويهم بالكاد تكفي لسد الرمق، وكلّ ذلك بسبب سياسات عامة إتبعها لبنان الرسمي منذ نشأته إلى اليوم، ملخصها سدّ الأبواب أمام الكفاءات إفساحاً في المجال أمام الأزلام والمحاسيب، ودفع النخب والطاقات الشبابية إلى الهجرة قسراً وتحمّل مشقات الغربة بحثاً عن مستقبل أفضل لهم، بعضهم ينجح في ذلك وبعضهم يفشل، وتركهم البلاد في عهدة سلطة سياسية فاسدة وفاشلة، لم تستطع أن تخرج من فكرة إدارة المزرعة والقطيع إلى إدارة دولة، ولا يبدو أنّها ستخرج منها قريباً.


مواضيع ذات صلة


 

Post Author: SafirAlChamal