ttra

هي طرابلس التي إعتنقت المحبة رسالة… بقلم: غسان الديري

“أُدعُ إلى سبيل ربك بالحكمةِ والموعظة الحسنة” (سورة النحل/125)

طرابلس الموغلة في التاريخ، ما سبب هذه الإتهامات البغيضة الموجهة إليها، وهي المدينة الغاضبة والثائرة والحزينة في آن معاً. غاضبة من الحاضر البشع، وثائرة يوم كانت المدن العربية تغلق أبوابها في الليل والنهار، وحزينة من تلك الإبتسامات الباردة والنزقة التي يرمونها بها!..

كنا نعلم ان الفجر قد انبلج من عطر ليمونها، المنتشر في فضائها، وندرك أن المساء قد أقبل عندما نشاهد الشمس، تنام على خد بحرها..

طرابلس التي اعتنقت المحبة رسالة، حضنت الجميع، المثقفين والثوار، المهجرين والمبعدين، الطلاب والأساتذة، الفقراء والمعذبين، الحالمين والعشاق. لكل شارع ومقهى ومدرسة قصة في حياتنا، احتفظت بها طرابلس لنفسها، لأنها لا تحب البوح بالسر.

مدينتي العاشقة لقضايا العرب،  من فلسطين إلى مصر مروراً بالجزائر، تُترك وحيدة لتواجه أزمتها الحالية. أنهك الفقر جسد طرابلس، لكنها حافظت على هويتها وذاكرتها وثقافتها وكرامتها.

الكثير من اللبنانيين والعرب لا يعرفون عن طرابلس التاريخ شيئاً، مفتيها العظيم والحكيم محمد رشيد ميقاتي، أرسل أولاده وحراسه وأبناء المدينة لحماية بيوت المسيحيين عام 1860 م، العام المشؤوم المشهور بالمذابح التي ذهب ضحيتها الآف الأبرياء، وكان وراء هذه الفتنة، تركيا وفرنسا للقضاء  على صناعة الحرير، نظراً لجودة الحرير الوطني التي فاقت بأشواط الحرير الأجنبي.

طرابلس التي حضنت المسيحيين والمسلمين المهجرين من قراهم، من قبل “دواعش” الحرب الأهلية اللبنانية، فتحت لهم قلبها وبيوتها ومدارسها وشوارعها وأزقتها ومسارحها وساحاتها.

لا توقظوا الأحزان في قلب مدينتنا، كم لدغت من أفاعي الزمان!، وكم نُكبت بأحداث نزلت عليها من الفضاء الغريب، ووُشحَ وجهُها بالدم، وجسدها بالندوب، وذاكرتها بالوجع!..

الوطن في قلب طرابلس، لكن طرابلس ليست في قلب الوطن وحكام الوطن. تعالوا، حكومةً وشعباً، لنعيد لطرابلس ألقها الثقافي والحضاري والديني والتجاري والصناعي، فتكون عودتها الينا كما عهدناها، عودتها ليست مسألة إنسانية وإجتماعية وثقافية فقط، إنها مسألة وطنية.

تعالوا لنقيم الصلاة في الهواء الطلق، آتين من كل الطوائف والمذاهب، يؤمنا رجال الدين في الملولة والخناق ومارمارون والتل وبور سعيد.. تعالوا لنقيم مهرجانات المحبة وأعراس الفرح وسهرات الأعياد، ولنبنِ لها الموقع الذي يليق بتاريخها على البحر الأبيض المتوسط. هُبوا لنستعيد تاريخ طرابلس المجيد، عوضاً عن رميهاكل يوم بوابلٍ من السهام المسمومة والحقودة.

القتل ليس من شيم طرابلس وليس من تراثها، العنف دخيل على حاضرها، وشعبها يؤمن بما جاء في القرآن الكريم “من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً”. (سورة المائدة/32)

اشتاقت مدينتنا إلى الفرح، وتاقت لكي تفتح ذراعيها وتحضن ضحكاتنا، وحنت لكي تعود شوارعها حقولاً لإبتسامتنا وأشجارها مخبأً لأحلامنا. سرقوا تاريخها الجميل وعطرها الفواح، وحكاياتها المشغولة بالياقوت! لنفتح لها باب الغيم لكي تخلع ثوب الحزن، ولتلبس ثوب الأميرة العائدة من غربة الوجع إلى عرس الوطن.

كيف أروي لحكام لبنان عن مجد طرابلس ومكتبة طرابلس وتاريخ طرابلس وحزن طرابلس وفقر طرابلس؟، كيف أقنعهم أنها بحاجة الى الإنماء الثقافي والإقتصادي، وأن شبابها العاطلين عن العمل، يقفون عند الحد الفاصل بين الإحباط والرجاء. ليعلم الجميع أن في قيامة طرابلس قيامة للوطن.

أفردي جناحيك الجميلتين يا طرابلس للريح، وحلقي عالياً حيث يليق بك المكان. ليست اُعجوبة أن يستيقظ الليل على آذان فجرك الجديد، وأنت المشهود لك الإنبعاث بعد كل حريق.

                                    غسان الديري

Post Author: SafirAlChamal

Leave a Reply

Your email address will not be published.