ramadan tripoli

رمضان في طرابلس: عادات وتقاليد.. روحانيات وعبق إيماني… غسان ريفي

يصدح صوت المسحراتي مخترقا سكون ليالي رمضان بالمدائح النبوية والابتهالات على وقع قرع طبلته لايقاظ المواطنين على السحور طيلة الشهر الفضيل..

لا شك في أن طرابلس ستفتقد في شهر الخير أبو طلال عثمان وهو أحد أقدم مسحّري طرابلس والذي كان يمارس مهنته بشغف منذ أكثر من خمسين سنة، لكنه توفيَ قبل أشهر، ليقوم أولاده مقامه في التسحير والتوديع مع غيرهم من العائلات التي ما تزال تحتفظ بفرمانات منذ العهد العثماني موقعة من الوالي تكلفهم القيام بهذه المهمة، لا سيما قيادة ″نوبة الوداع″ بدءا من العشر الأوائل، وذلك لتوديع شهر الخير والبركات وإدخال الفرح الى قلوب الصائمين وعائلاتهم لا سيما الأطفال منهم.

تقرع فرق الوداع الطبول والصنوج على وقع أصوات المنشدين الذين يجولون على كل المنازل والأحياء ويخترقون الأسواق الداخلية القديمة والمقاهي التراثية في باب الرمل والحدادين ومحرم والتبانة والقبة التي تضيق بروادها، ويعرجون على أفران الكعك التي تشكل عامل جذب لكل أبناء المدينة وزوارها لتحضير وجبات السحور، فيما ترتفع من مآذن المساجد أصوات الأئمة في صلوات التراويح وقيام الليل، فضلا عن الابتهالات التي تلف أرجاء المدينة وأسواقها التي تستعد بعد أن ينتصف الشهر  لاستقبال عيد الفطر، فتعرض بضاعتها بالأسعار المخفضة للفت نظر الزبائن.

هو مشهد يتكرر في كل ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك في طرابلس التي ما تزال دون كثير من المدن اللبنانية والعربية تحرص على أن تعيش تفاصيل الشهر الفضيل بطقوسه الدينية وعاداته وتقاليده وتراثه وروحانياته وعبقه الايماني، حيث تزدان مساجد المدينة بالانارة الملونة التي تظهر جمالية عمارتها وعقودها الحجرية الأثرية، ويتخصص كل مسجد في طرابلس بنشاط ديني رمضاني يحتضنه منذ عهود طويلة وما يزال يحافظ عليه.

الأثر الشريف

الى الجامع المنصوري الكبير وهو أكبر مساجد طرابلس وأقدمها يتقاطر المسلمون في يوم الجمعة الأخير من رمضان، من طرابلس والمناطق اللبنانية والدول المجاورة للتبرك بالأثر الشريف وهو عبارة عن شعرة من لحية الرسول محمد، أهداها السلطان عبد الحميد الثاني الى المدينة لمناسبة إعادة تأهيل مسجد التفاحي في الزاهرية، والذي أطلق عليه في ما بعد إسم الحميدي تيمنا باسم السلطان الذي أرسل الأثر الشريف على متن فرقاطة عسكرية الى المدينة التي عمت فيها الاحتفالات وأقيمت فيها الموالد، لكن علماء ووجهاء المدينة خافوا على الأثر الشريف من السرقة لأن الجامع الحميدي كان خارج أسوار المدينة، فارتأوا أن يضعوه في الجامع المنصوري الكبير حيث يصلي الوالي وأعيان ووجهاء طرابلس، فتم تخصيص غرفة جانبيه له، عرفت باسم غرفة الأثر الشريف، ويقرأ فيها القرآن بشكل مستمر ولا تزال حتى يومنا هذا، حيث يخرج مفتي طرابلس بالتعاون مع عدد من المشايخ في كل عام عند صلاة فجر وعصر يوم الجمعة الأخير من رمضان الأثر ويتبرك به المؤمنون على وقع الابتهالات والمدائح التي يقدمها المنشدون.

ختم البخاري

وفي جامع الأمير سيف الدين طينال (وهو ثاني مساجد المدينة من الناحية التاريخية والأثرية) يجتمع أبناء طرابلس في حلقة ذكر إبتهاجا بختم صحيح البخاري الذي يقرأه المؤمنون إعتبارا من منتصف شهر رجب، ويختتم في اليوم الجمعة الأخير من رمضان، حيث تتلى السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة وأركان الاسلام، وتتنافس خلاله فرق الانشاد الطرابلسية على تقديم أجمل وأبهى المدائح النبوية، وتنفرد طرابلس في إحياء هذه الشعيرة بين كل المدن العربية.

ختم القرآن

وفي جامع القرطاوية الأثري المجاور للجامع المنصوري الكبير، يقرأ المصلون في كل ليلة جزء من القرآن الكريم في 20 ركعة من التراويح، وفي الليلة الأخيرة يحتفل الجميع بختم القرآن حيث تقام حلقة ذكر بالمناسبة، وتخرج بعدها النوبات الصوفية وتجول في الشوارع إبتهاجا بحلول عيد الفطر السعيد.

وتتناوب سائر مساجد طرابلس يوميا خلال الشهر الفضيل عقب صلاة التراويح على إقامة الموالد، وحلقات تجويد القرآن والتي تستمر حتى صلاة الفجر، إضافة الى إحياء شعيرة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان.

madfaa

مدفع رمضان

ومن العادات الرمضانية التي ما تزال طرابلس تحافظ عليها، إطلاق مدفع رمضان عند الافطار وعند السحور وعند الامساك وعند ثبوت رؤية هلال عيد الفطر السعيد، وهذا المدفع لا يزال موجودا عند إحدى نوافذ القلعة الأثرية منذ العهد العثماني، وهو بقي يعمل حتى عقود ماضية، لكنه أحيل الى التقاعد ليبقى شاهدا على عادات المدينة، ويستعاض عنه اليوم بمدفع يشرف الجيش اللبناني على إطلاق قذائف خلبية منه من محلة الهيكلية تدوي صداها في كل الأرجاء..

يوميات رمضانية

أما نهار رمضان فتكثر فيه المشاهد التي تحرص المدينة عليها، حفاظا على تراثها الجميل الذي يعطي الشهر الفضيل نكهة مميزة تنفرد طرابلس بها..

ramadan sweet

منذ الصباح تنشغل المناطق الشعبية في تحضير العصائر من الخرنوب والسوس والليمونادة، وقمر الدين، والتوت، والتي تعرض للبيع في أماكن مختلفة خلال فترات بعد الظهر، إضافة الى صناعة الحلويات التي تنشط صناعتها بشهر رمضان مثل كربوج حلب، ورد الشام، المهلبية، والعوامة وأصابع زيب والقطايب والمشبك، والتي تعرض في الشوارع وعلى البسطات التي تغض بلدية طرابلس الطرف عنها وعن مخالفاتها خلال الشهر الفضيل إفساحا في المجال أمام أبناء المدينة لتأمين لقمة عيشهم، كما تنتشر بسطات بيع التمور والتين المجفف والملبن المكسرات والكبيس غيرها من المستلزمات الرمضانية.

عادات

وما تزال طرابلس تحافظ على كثير من العادات الرمضانية لجهة تبادل الزيارات اليومية بعد الافطار بين العائلات، والسكبة وهي تبادل الطعام بين الجيران ما يجعل موائد كل شرائح المدينة وطبقاتها متنوعة بأصناف مختلفة، والافطارات الجماعية، وذلك وصولا الى ما يعرف بـ وقفة العيد حيث يعد الطرابلسيون العدة لصناعة معمول العيد وإرساله الى الأفران القديمة، وينشغل المواطنون بتنظيف المقابر ووضع أعشاب الآس والريحان وسعف النخل عليها تمهيدا لزيارتها بما يعرف بـصباحية العيد..

يقول الزميل عبد القادر الأسمر في كتابه رمضان في طرابلس ذكريات ومشاهد: إن رمضان في طرابلس ليس مجرد صوم لثلاثين يوما فحسب، وإنما هو حالة جديدة بكل مستوياتها طوال 24 ساعة في اليوم، ولعل مدينة طرابلس هي إحدى أبرز المدن العربية والاسلامية التي تعيش رمضان في نقلة نوعية تتجدد معالمها عاما إثر عام، مع الحفاظ على الموروثات والاستمساك بمقوماتها والتشبث بمقاصد هذا الشهر الكريم.. إنه لحدث عظيم يترقبه الطرابلسيون بعد غياب أحد عشر شهرا، قلما أن ينجح أي إنقلاب أو نظام جديد مهما كانت مميزاته في أن يلقى القبول الحسن كما يفعله رمضان.  

Post Author: SafirAlChamal

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *