رحلة الطبيب على متن جسدي… ساندي الحايك

بعُنفٍ خلعتُ عني كل شيء. جرّدت جسدي من الملابس ودخلت حجرة الاستحمام. فتحت خرطوم المياه الساخنة وأدرته نحو رأسي ثم تسمرت جامدةً. شيئاً فشيئاً بدأت الحجرة تختنق بالبخار وينخفص معدل الأوكسيجين فيها. شعرت برأسي ثقيلاً. لبثت واقفة وعيناي غارقتان في الفراغ. أردت أن أطرد عني رائحة المستشفى وأن أمحو عن جسدي آثار الحُقن والأمصال، وأن أغسل عن شعري تعب الأيام الأربعة التي قضيتها مسجونةً بين الحيطان الكئيبة.

تتقاطر حبات المياه فوق رأسي وأنا أفكر: كيف سأقلب الصفحة؟ في الحقيقة لا أدري ما الذي آلمني أكثر، تُرى هل هي رؤية المرضى “مشلوحين” على أسرّة نقالةٍ في شبه غيبوبة مجردين من الثياب، يتمتمون بكلامٍ غير مفهومٍ أو يتأوهون وجعاً، أم هي معاينة الممرضات والممرضين غير آبهين لكل ذلك؟.

تملّكني الجزع عندما طلب مني الطبيب الاستعداد لدخول غرفة العمليات. وضعت غطاءً على شعري وتمددت على سريرٍ من جلد أسود. غطاني الممرض بشرشفٍ أسود أيضاً وتولى جرّ السرير. كان الممرض قاطب الوجه عاقد الحاجبين. سألته: “لماذا أنت شاحب؟” فأجاب باقتضاب كأنه يحاول إسكاتي: “متعبٌ”. ثم أكمل سيره إلى أن فتح له زميلٌ باباً أزرقَ اللون على مصراعيه. ما إن دخلنا حتى رماني في الوسط بين سيدتين عجوزتين. على يميني تنتحب المرأة وجعاً، وعن اليسار تتأوه أخرى لشدّة الوجع أيضاً. أما أمامها، فـفيلقٌ من الممرضات يصلن ويجلن بصمت. جلّ ما كُنّ يقمن به هو التحديق بالمريضتين عن بُعد ويتأففن.

تسود سطوة الصمت في الغرفة. شيءٌ ما قتل الشعور في هذا المكان. لا قلوب تنبض ولا رأفة. نادراً ما يدأب العاملون على مواساة المرضى أو السؤال عن أحوالهم ومداراة مشاعرهم وأوجاعهم بعيداً عن الإطار الوظيفي. حتى الشعارات الإنسانية ابتلعتها الشهوات التجارية. هل معاينة الوجع الظاهر في الوجوه الشاحبة باستمرار يجعلنا نتقلبه ونعتاده ونتخذه رفيقاً؟ حسناً، ربما لم لو أكن أنا المريضة لما تحركت بداخلي كومة المشاعر هذه!.

بعد طول انتظارٍ دخلت غرفة العمليات. كان قد تملّكني التوتر وجمّد البرد المُتسلل إلى عروقي كل حواسي. طلب مني الطبيب أن أنتقل إلى سرير آخر. كان أبيض اللون ومريح. تمددت وفجأة تحرك نحوي ووضع قبضته على رجلي. شدها نحو طرف السرير وكبّلها بالأصفاد. كذلك فعل مع رجلي اليُمنى. شعرت أن جسدي على وشك أن ينقسم إلى قسمين. كرر الفعل نفسه مع يديّ أيضاً. سلبني قدرتي وقراري. أحسست أنني بتُّ فجأة كـالمُعلقة على صليب من الأوجاع. سحب الطبيب آلة رفيعة مُطهرة من خزانة بالقرب منه، ووضع الكمامة على أنفه. ببطء رفع الغطاء عن نصفي السُفلي وأمعن النظر. تبدل بداخلي شيء ما لا أعرف سرّه. تتناطح الأسئلة في رأس ولا جواب يؤنس حيّرتي. وحدها يد أخي التي تطرق الباب بقوة تُعيدني إلى بساطة الحياة. لا يريد أخي أن يطمئن عن سبب تأخري في الاستحمام، إنما يعالجني بالخروج فقد حان دوره. هكذا إذاً هي بساطة الحياة أو ربما.. تفاهتها.

Post Author: SafirAlChamal