عرس الشهادة.. الدولة تواجه الأهالي بعد إنتهاء مراسم العزاء!… غسان ريفي

إنتهى عرس الشهادة.. وإحتضن التراب اللبناني جثامين العسكريين الشهداء الذين خطفهم تنظيم ″داعش″ في 2 آب 2014، وأعدمهم في شباط 2015، وكشف عن مكان دفنهم في أواخر آب 2017، بعد إستسلام التنظيم، والتفاوض معه، والسماح لإرهابييه بالخروج من الجرود الى مدينة دير الزور السورية بالباصات المكيفة!.

إنتهى عرس الشهادة، بفوضى مسلحة عمّت البلاد بطولها وعرضها، فخرج السلاح المتفلت من كل القيم والأخلاق وعاث فسادا ورعبا وجرحا في المناطق كافة وبين اللبنانيين، ليمعن في إسقاط الدولة التي أوحت يوم أمس بتوجه لديها نحو تسجيل قضية العسكريين الشهداء ضد مجهول، خوفا من إثارة الحساسيات السياسية أو من الانقسام الداخلي، فاذا بها تسقط مجددا، وتعجز عن ضبط المسلحين الذين غزوا شوارع لبنان ، وأكثرهم من غير المعنيين بقضية العسكريين الشهداء، لكنهم إستغلوا الفرصة وأطلقوا العنان لرشاشاتهم من دون حسيب أمني أو رقيب قضائي، وتحت أعين القوى العسكرية والأمنية من كل الأجهزة التي رافقت الجثامين الى مثواها الأخير.

وما يثير الاستغراب هو، كيف يمكن للدولة أن تسمح بتفلت السلاح بهذا الشكل، في ظل قرار أصدرته الحكومة أواخر العام 2016 ويقضي بتجريم مطلقي النار وحبسهم من ستة أشهر الى ثلاث سنوات وتغريمهم بعشرة أضعاف الحد الأدنى للأجور؟، وكيف لقرار من هذا النوع أن يطبق إستنسابيا في وقت يتساقط فيه قتلى وجرحى الرصاص الطائش كما تتساقط أوراق الشجر؟، وكيف لهيبة الدولة أن تتحقق في ظل هذا التفلت؟، ومن يحمي الأبرياء من كل هذا الكم من التخلف؟.

وما يثير الاستغراب أيضا، هو كيف للدولة وأجهزتها الأمنية أن تسمح بتفلت السلاح في مسيرات تشييع لعسكريين أعدمهم ″داعش″، في وقت ما يزال الارهاب يطلق تهديداته ضد الجيش والأجهزة الأمنية اللبنانية وأهالي العسكريين؟، وماذا لو دخل أحد الارهابيين بسلاحه مستغلا كل هذه الفوضى لاشعال فتنة ما أو لقتل عسكريين جدد أو ضباط؟، ومن يكون المسؤول عن هذا الخرق؟، وهل سيتم تسطير محاضر ضبط ووثائق بحث وتحر بحق مطلقي النار؟، أم أن ما جرى بالأمس كان عبارة عن غض نظر رسمي لترويع المواطنين الذين بدل أن يشاركوا في مسيرات التشييع لزموا منازلهم خوفا من رصاصة طائشة تقتلهم أو تقتل عزيز لهم؟، خصوصا أن الرصاص الطائش كاد أن يودي بحياة كمال عمار إبن عم الشهيد حسين عمار في فنيدق حيث تدخلت العناية الالهية وأنقذته.

إنتهى عرس الشهادة، لتبدأ جردة الحساب التي تنطوي على لائحة أسئلة لا تنتهي ستطرح خلال الأيام المقبلة، خصوصا في ظل تأكيد أهالي الشهداء أن تحركاتهم عُلّقت مؤقتا لحين إنتهاء مراسم العزاء، وأن عودتهم الى الشارع قريبة للمطالبة بتحديد المسؤوليات في التهاون والتقصير في قضية أبنائهم العسكريين، الذين أخفقت الدولة في إستعادتهم أحياء.

ومن أبرز هذه الأسئلة هي: لماذا لم تستكمل المعركة في 2 آب 2014 مع العلم أن المنطقة التي كان يتواجد فيها الخاطفون مع العسكريين كانت على وشك السقوط عسكريا؟، ولماذا حصل وقف لاطلاق النار؟، ومن أعطى هذا القرار؟، ومن المسؤول عنه؟، ولماذا لم تنجح المفاوضات التي جرت منذ حصول عملية الخطف؟، ولماذا لم يُفسح في المجال أمام هيئة العلماء المسلمين باستكمال مساعيها التي أثمرت عن الافراح عن ثلاثة من العسكريين؟، ولماذا لم يتم تلبية مطالب “داعش” في تلك الفترة للافراج عن العسكريين أحياء، بينما سُمح لإرهابييه بالخروج من لبنان لقاء الافراج عن رفات العسكريين الشهداء الذين أعدمهم؟.

وما هو دور حكومة الرئيس تمام سلام في كل ما حصل؟، ومن كان يعرقل إتمام المفاوضات؟، ومن هو الفريق الذي كان يرفض التفاوض؟، ولماذا؟، ومن هي الجهات التي حاولت تحقيق مكاسب على ظهر أهالي العسكريين؟، ومن هي الجهات التي حاولت إستغلالهم سياسيا؟، أو إبتزازهم لقاء إعطائهم معلومات عن مكان تواجد أبنائهم؟.

وهل صحيح أن حزب الله كان يرفض التفاوض؟، وإذا كان ذلك صحيحا، لماذا بادر الى التفاوض مع ″جبهة النصرة″ ومن ثم مع ″داعش″ ورعى خروجهما من لبنان الى إدلب ودير الزور؟، وهل صحيح أن تيار المستقبل كان يرفض المس بـ”داعش” و”النصرة” في جرود عرسال؟، وإذا كان ذلك صحيحا، لماذا غض النظر عن معركة جرود عرسال، ومن ثم هلل لانتصار الجيش في جرود بعلبك والقاع؟.

ثم بعد ذلك، لماذا تُرك أهالي العسكريين يواجهون مصيرهم بأنفسهم؟، ولماذا لم يصر الى إبلاغهم باستشهاد أولادهم، بالرغم من معرفة الدولة بهذا الأمر؟، ومن يتحمل مسؤولية الثلاث السنوات التي أمضوها في الشارع بين الأسى والخوف والرعب على أبنائهم؟.

كل تلك الأسئلة سينتظر أهالي العسكريين أجوبة واضحة وصريحة عليها في القريب العاجل، وسينتظرون تحديد المسؤوليات ومحاسبة المقصرين وإعدام كل من ثبت تورطهم بقتل وخطف العسكريين سواء ممن كانوا في رومية أو ممن لا يزالون أحرارا طلقاء، إلا إذا إستمرت الدولة في سياسة تجهيل الفاعل، وتحميل مسؤولية ما حصل الى ″الغموض″ الذي لف المرحلة الماضية، بحجة الحفاظ على إستقرار البلد، وتجنيبه قضايا خلافية يمكن أن تساهم في تفجيره من الداخل، عندها سيتحول أهالي العسكريين الى شهداء أحياء، وشهود على إنهيار دولة القانون والمؤسسات.

Post Author: SafirAlChamal