طرابلس وانتخابات 2018: غموض يُفرّق شمل الأقوياء..عبد الكافي الصمد

لم يتردد قطب سياسي شمالي في وصف قانون الإنتخابات الجديد بأنه ″الأفضل″ من بين معظم القوانين الإنتخابية التي طبقها لبنان منذ الإستقلال، ″برغم عيوب وثغرات كثيرة فيه″، لكنه توقف عند ″إيجابية″ رئيسية فيه تميّزه عن سواه، وهي أن القوانين الإنتخابية السابقة كان ممكناً معرفة نتائج إنتخاباتها قبل إجرائها، غير أن ″الغموض″ يسود نسبياً النتائج التي ستسفر عنها إنتخابات القانون الجديد، ومن هنا أهميته.

فقبل كل إستحقاق إنتخابي نيابي سابق، كانت أغلب التوقعات حول نتائجه تتحقق، لأن القوانين الإنتخابية كانت تُفصّل على قياس أهل السلطة، كما كانت التحالفات تُحسم على نحو كبير النتائج قبل أن تكشفها صناديق الإقتراع، بشكل تحوّلت معه الإنتخابات إلى إجراء شكلي، ولزوم ما لا يلزم، بعدما كُتبت نتائج الإنتخابات سلفاً.

هذا ″الغموض″ هو السمة السائدة في أغلب الدوائر الإنتخابية الـ15 التي فصّلها القانون الإنتخابي الجديد، نظراً لنقطتين رئيسيتين فيه: الأولى تتعلق باعتماد مبدأ ″النسبية″ فيه، أمّا الثانية فتتمحور حول “الصوت” التفضيلي، وهما نقطتان ستحولان دون العودة إلى “البوسطات” و”المحادل” الإنتخابية التي يعرفها اللبنانيون جيداً، وسوف تكشفان الحجم “الطبيعي” لأي حزب أو تيار أو شخصية سياسية، بعدما كانت القوانين الإنتخابية السابقة تسهم في “نفخه”، وإعطائه حجماً أكبر من حجمه الطبيعي.

يبرز هذا الغموض، بشكل واضح، في دائرتي الشمال الثانية والثالثة على سبيل المثال، فالدائرة الثانية التي تضم طرابلس والمنية ـ الضنية ستكون برأي أغلب المراقبين “أم المعارك” الإنتخابية في لبنان، لأن التنافس فيها يدور حول زعامة الطائفة السّنية وموقع رئاسة الحكومة ومن سيتبوأه بعد الإنتخابات المقبلة، والدائرة الثانية التي تضم زغرتا والكورة وبشري والبترون، وفيها تدور معركة لا تقل حدّة تحاول فيها القوى المسيحية الرئيسية الثلاث: تيار المردة والتيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، إستشكاف معالم الإستحقاق إنتخابات رئاسة الجمهورية عام 2022، عندما تنتهي ولاية الرئيس الحالي للجمهورية العماد ميشال عون.

ففي دائرة الشمال الثانية، ما يزال المواطنون والمراقبون والقوى السياسية المعنية يضربون أخماساً بأسداس، محاولين فك “طلاسم” القانون الإنتخابي الجديد، من أجل إستكشاف التحالفات الإنتخابية المقبلة، وشدّ عصب القواعد الشعبية بهدف زيادة نسب التصويت للوائح وللصوت التفضيلي، كونهما سيشكلان “القول الفصل” في إنتخابات غير معروفة النتائج سلفاً، كما جرت العادة.

فأغلب التحليلات والقراءات المسبقة للإنتخابات المقبلة التي سوف تجري وفق القانون الجديد، المستندة إلى موازين القوى الموجودة في طرابلس، بشكل تقريبي، تشير إلى أن أي لائحة في هذه الدائرة، حتى لو احتلت المرتبة الأولى، لن تفوز بأكثر من مقعدين سنّيين في طرابلس من أصل خمسة مقاعد، ما يعني أن تيار المستقبل الذي سيمثله سنّياً كل من النائبين الحاليين محمد كبارة وسمير الجسر، لن يجد مصلحة “إنتخابية” له في التحالف مع الرئيس نجيب ميقاتي، أو النائب محمد الصفدي، أو الوزير السابق فيصل كرامي، أو حتى مع الوزير السابق أشرف ريفي، إذا جرت مصالحة بين الطرفين، لأن أي تحالف سيكون على حساب أحد نائبي التيار السنّيين، أو الحليف معهما.

هذا الواقع سيفرض على القوى السياسية الرئيسية في دائرة طرابلس والمنية ـ الضنية تشكيلها لوائح منفردة، سيكون بعضها مكتملاً من 11 مرشحاً، وبعضها غير مكتمل، من أجل الحصول على نسب التصويت المطلوبة، وتأمين أصوات تفضيلية يضمن لها الفوز، ما يعني أن الإنتخابات النيابية المقبلة في هذه الدائرة ستشهد تنافساً بين 4 إلى 5 لوائح على الأقل، لتفرض مشهداً إنتخابياً وسياسياً جديداً، يغيب عنه “تحالف الأقوياء”، الذين سيجدون أنفسهم مضطرين لمواجهة بعضهم بعضاً، عوضا عن ركوبهم معاً في “البوسطة”، أو “المحدلة” كما حصل عام 2009، لتدهس في طريقها المنافسين الآخرين.

Post Author: SafirAlChamal