طرابلس والشّمال: متى يستعيدان الدور المفقود؟… عبد الكافي الصمد

لم يسبق أن غابت طرابلس أو غُيّبت عن أن تكون واحدة من صنّاع القرار السياسي اللبناني كما هي حالها اليوم، وهو وضع ينسحب على الشمال أيضاً، ما يعكس الجمود الذي يخيم عليهما بفعل تراجعهما عن أداء دور سياسي تاريخي يعود إلى بداية نشأة الكيان اللبناني عام 1920.

فعندما نال لبنان إستقلاله عن الإنتداب الفرنسي مطلع أربعينات القرن الماضي، كان لطرابلس والشمال دورهما الفعّال في ذلك، عبر رجلي الإستقلال البارزين عبد الحميد كرامي وحميد فرنجية، وهو دور أسس في ما بعد لقيام ثنائية طرابلس ـ زغرتا، التي ارتكزت إلى الرئيسين سليمان فرنجية ورشيد كرامي، وأسهمت لاتخاذها بعداً وطنياً في تحييد الشمال بأغلبه عن أتون الحرب الأهلية في سنواتها الخمس الأخيرة، وتحديداً بين عامي 1986 و1990،  وجعل من الشمال ″واحة″ الأمان شبه الوحيدة في لبنان آنذاك، وأهّله لأن يكون حاضناً لتنفيذ إتفاق الطائف بانتخاب الرئيس رينيه معوض في مطار القليعات عام 1989.

بعد انتهاء الحرب الأهلية حضرت طرابلس بقوة في صنع القرار اللبناني، إذ أقدمت حكومة الرئيس عمر كرامي على خطوات متقدمة لإقفال صفحة هذه الحرب، بقرارها الأبرز وهو حلّ الميليشيات، قبل أن يشهد هذا الدور تراجعاً مع مجيء الرئيس رفيق الحريري إلى السلطة عام 1992.

ومع ذلك فإن طرابلس بقيت حاضرة في ساحة السياسة المحلية، وإن تراجع حضورها نسبياً، بعدما ألغى الحريري أو كاد أغلب البيوتات والقوى السّنية التقليدية والمنافسة له، وحافظت زغرتا على حضورها الدائم داخل مركز القرار عبر الوزير سليمان فرنجية، قبل أن يبزغ دور نائب رئيس الحكومة عصام فارس لتزداد أضلع الشمال في السلطة، ويأخذ الدور الذي يستحقه.

غير أن اغتيال الحريري في 14 شباط 2005 ألغى كل الحضور الشمالي في السلطة، وجعله تابعاً وملحقاً لسلطة العاصمة لأول مرة في تاريخه، إذ عزف كرامي عن ترشيح نفسه لانتخابات ذلك العام، ومثله فعل فارس قبل أن يغادر إلى خارج لبنان، وخاضها فرنجية لوحده من بين مثلث الأضلاع السياسي ولم يكتب له الفوز.

وبرغم هذا الإنكفاء الإضطراري لطرابلس والشمال عن الحضور داخل السلطة، فإن كلمة عاصمة الشمال وزغرتا بقيتا ″مسموعتين″ في الوسط السياسي، باستمرار كرامي المرجعية السياسية في طرابلس واستعادة فرنجية موقعه النيابي عام 2009، وبدخول الرئيس نجيب ميقاتي نادي رؤساء الحكومات مرتين.

غير أن رحيل كرامي وخروج ميقاتي من السرايا الحكومي وعدم محالفة الحظ لفرنجية بالوصول إلى سدّة الرئاسة الأولى بعدما كان قاب قوسين أو أدنى منها، كانت أسباباً في إعادة طرابلس والشمال إلى دائرة الظلّ ثانية، وفي ″إبعاد″ طرابلس وزغرتا والشمال عن أن يكون لهم حضور ودور وكلمة في الإستحقاقات المصيرية التي يعيشها الوطن، ما جعل المهمة الملقاة على عاتق المرجعيات السياسية في طرابلس والشمال كبيرة جداً لاستعادة الدور المفقود، ولبذل جهود من أجل استرجاع وانتزاع حق لن يُعطى مجاناً، ولن يأتي بلا جهد يعيد الوضع إلى نصابه الصحيح.

Post Author: SafirAlChamal